تهمش الكفاءات وتدوَّير المناصب

أثار خبر إعلان سعدية العقابي مباشرتها مهامها مستشارةً لدى رئيس مجلس الوزراء سؤالًا سياسيًا مشروعًا: ما المعايير التي تحكم الانتقال من الترشح للانتخابات إلى تولي موقع استشاري في الحكومة؟ وبحسب ما أوردته وسائل إعلام، ترشحت العقابي عن تحالف قوى الدولة في واسط، ولم تفز بمقعد نيابي في الانتخابات الأخيرة، ثم أعلنت توليها المنصب الجديد. كما أشارت التقارير إلى أنها سبق أن شغلت مقعدًا نيابيًا في دورة سابقة.
الخسارة الانتخابية لا تسلب المرشحة حقها في العمل العام، ولا تعني وحدها أنها تفتقر إلى الكفاءة. لكن تعيين مرشحة لم تفز بمقعد نيابي في منصب حكومي يطرح سؤالًا لا ينبغي التهرب منه: هل وقع الاختيار عليها وفق مؤهلات وخبرة محددتين، أم أصبح المنصب وسيلةً لإبقاء مرشحي الأحزاب داخل السلطة بعد أن لم يمنحهم الناخبون مقعدًا؟
ويتسع السؤال مع تكليف ثناء جاسم كريم الزجراوي برئاسة هيئة الطاقة الذرية العراقية وكالةً. فالهيئة تتعامل مع ملفات علمية وتقنية متخصصة، وتكليفها برئاستها يستدعي إعلانًا واضحًا عن الخبرة والمؤهلات التي رجّحت هذا الاختيار، وعن الخطة التي ستُحاسب الرئيسة المكلّفة على تنفيذها. وقد صدر الأمر الديواني بالتكليف في 3 تشرين الأول 2026، استنادًا إلى قرار لمجلس الوزراء.
ولا يقف أثر هذه التعيينات عند حدود الداخل. فالمناصب الحكومية، ولا سيما الاستشارية والقيادية، تعكس صورة الدولة أمام شركائها ومؤسساتها الدولية، وتؤثر في الثقة بجدية مؤسساتها ومعاييرها. كما أن إسناد المواقع العامة من دون إظهار الكفاءة والخبرة قد ينعكس سلبًا على صورة المرأة العراقية، حين يُقدَّم التعيين على أنه تمثيل لها، بينما يغيب السؤال عن مدى ملاءمة المؤهلات للمسؤولية.
فالاعتراض هو أن تُمنح المناصب جزافًا لشخصيات لا تظهر مؤهلاتها المنشورة صلةً واضحةً بالمسؤوليات الموكلة إليها، أو أن تتحول المواقع العامة إلى امتداد للتفاهمات الحزبية وتقاسم النفوذ واسترضاء الأطراف.
العراق ليس عقيمًا من الكفاءات ففيه أكاديميون وخبراء وموظفون خدموا مؤسسات الدولة، وفيه نساء يمتلكن الخبرة اللازمة لقيادة الملفات العلمية والسياسية والإدارية. إن إقصاء هذه الطاقات، مقابل تدوير الأسماء أو توزيع المواقع بلا معايير معلنة، لا يضر بمؤسسات الدولة وحدها، بل يحرم المرأة العراقية المؤهلة من فرصة أن تُعرَف بإنجازها وكفاءتها. كما يعزز شعور الكفاءات الحقيقية بالخذلان والتهميش ويدفع بعضها إلى الهجرة، بما يؤدي إلى خسارة رأس مال بشري يحتاجه العراق. فحين تغيب المعايير الحقيقية التي توازن بين الخبرة والكفاءة في التعيين للمناصب المهمة، يخسر البلد طاقاته ومستقبله.
ولابد أن تدرك الطبقة السياسية في العراق أن المنصب العام ليس جائزةً تعويضية بعد خسارة الانتخابات، ولا حصةً حزبية، ولا لقبًا يُمنح جزافًا. إنه مسؤولية تجاه الدولة والمواطنين، واختبار لجدية الحكومة في احترام الكفاءة وصون سمعة العراق في المحافل الدولية.
عبدالله الصالحي
